لم يعد قرار تعديل سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي مجرد قرار نقدي ذي آثار اقتصادية بل أصبح يحمل أبعادًا قانونية وتعاقدية قد تظهر آثارها خلال الفترة المقبلة ولا سيما في العقود طويلة الأجل والمشاريع الاستثمارية وعقود المقاولات والعلاقات التعاقدية التي تتضمن عنصرًا أجنبيًا
فقد بدأ البنك المركزي العراقي اعتبارًا من 7 أكتوبر 2026 العمل بأسعار صرف جديدة حُدد بموجبها سعر شراء الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار وسعر بيعه للمصارف بـ1510 وللمواطن بـ1520 دينارًا مقارنة بالسعر الرسمي السابق البالغ 1320 دينارًا للدولار
من يتحمل مخاطر تغير قيمة العملة عندما يتغير التوازن الاقتصادي للعقد بصورة جوهرية بعد إبرامه؟
وهنا يجب التمييز بين حالتين
ماذا يحدث في عقود المقاولات والمشاريع الحكومية؟
بدأت تداعيات القرار تظهر بصورة مباشرة في قطاع المقاولات فقد طالب اتحاد المقاولين العراقيين بالتريث في تطبيق القرار محذرًا من تأثيره على العقود والمشاريع الحكومية وعلى كلف المواد والنقل والخدمات وهوامش الربح مشيرًا كذلك إلى استمرار آثار تعديل سعر الصرف السابق بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (301) لسنة 2021 وهنا تظهر مشكلة قانونية عملية
لا يمكن أن تكون واحدة لجميع العقود بل تتوقف على مجموعة من العناصر من بينها
– القانون الواجب التطبيق
تزداد المسألة أهمية عندما يكون أحد أطراف العقد شركة أجنبية أو مستثمرًا أجنبيًا
فإذا نشأ نزاع حول الخسائر الناتجة عن تغير سعر الصرف فقد يُطرح النزاع أمام هيئة تحكيم إذا كان العقد يتضمن شرط تحكيم صحيحًا أو إذا كان هناك أساس قانوني آخر يسمح باللجوء إلى التحكيم
من أكثر النقاط إثارة للاهتمام قانونيًا التمييز بين مفهومي المشقة التعاقدية والقوة القاهرة فالتغير الكبير في سعر الصرف قد يجعل تنفيذ العقد أكثر كلفة بصورة استثنائية لكن زيادة الكلفة لا تعني بالضرورة أن التنفيذ أصبح مستحيلًا
وهنا قد يكون مفهوم “المشقة التعاقدية” أكثر صلة من “القوة القاهرة” في بعض الحالات لأنه يتعامل مع الظروف التي لا تجعل التنفيذ مستحيلًا بالضرورة وإنما تؤدي إلى اختلال جوهري في التوازن الاقتصادي للعقد
الحدث الحالي يسلط الضوء على نقطة ربما تكون أهم من النزاع نفسه
فالعقود طويلة الأجل خصوصًا في قطاعات الإنشاء والطاقة والبنية التحتية والاستثمار تحتاج إلى التعامل مسبقًا مع مخاطر تقلب العملة
ومن البنود التي تستحق عناية خاصة
– تحديد ما يحدث عند وقوع ظروف اقتصادية استثنائية تؤدي إلى اختلال التوازن التعاقدي
ما الذي يعنيه ذلك لشركات المحاماة في العراق؟
– مراجعة العقود القائمة
– تقييم القانون الواجب التطبيق
وبالنسبة لمكاتب المحاماة التي تعمل مع الشركات الأجنبية فإن المسألة تتجاوز تقديم الاستشارة القانونية التقليدية إذ تصبح هناك حاجة إلى الجمع بين قانون العقود، قانون الاستثمار، التحكيم الدولي، والتحليل المالي والاقتصادي للضرر
إن تغيير سعر الصرف لا يمثل في ذاته نزاعًا تحكيميًا ولا يعني تلقائيًا أن الدولة أو الطرف المتعاقد أصبح مسؤولًا عن تعويض الطرف الآخر لكن التغيير الكبير في البيئة الاقتصادية قد يكشف نقاط الضعف الموجودة أصلًا في العقود خصوصًا عندما تكون مدة العقد طويلة ومدخلاته مرتبطة بعملة أجنبية أو عندما يكون أحد أطرافه مستثمرًا أجنبيًا
“كيف وزّع العقد مخاطر تغير سعر الصرف ومن يتحمل آثار هذا التغير وفقًا للقانون والعقد؟”
وقد يكون هذا هو الدرس الأهم من القرار الحالي
العقد الجيد لا ينظم الالتزامات في الظروف الطبيعية فقط بل يتوقع أيضًا الظروف التي قد تغيّر الاقتصاد الذي بُني عليه العقد
وفي بيئة استثمارية متغيرة مثل العراق تصبح صياغة بنود المخاطر الاقتصادية والتحكيم وتسوية النزاعات جزءًا أساسيًا من إدارة المخاطر القانونية وليست مجرد بنود تُضاف في نهاية العقد.


لا يوجد تعليق