839232061 1405225418425675 3087597360153425059 n

لم يعد قرار تعديل سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي مجرد قرار نقدي ذي آثار اقتصادية بل أصبح يحمل أبعادًا قانونية وتعاقدية قد تظهر آثارها خلال الفترة المقبلة ولا سيما في العقود طويلة الأجل والمشاريع الاستثمارية وعقود المقاولات والعلاقات التعاقدية التي تتضمن عنصرًا أجنبيًا

فقد بدأ البنك المركزي العراقي اعتبارًا من 7 أكتوبر 2026 العمل بأسعار صرف جديدة حُدد بموجبها سعر شراء الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار وسعر بيعه للمصارف بـ1510 وللمواطن بـ1520 دينارًا مقارنة بالسعر الرسمي السابق البالغ 1320 دينارًا للدولار

وبعيدًا عن تقييم القرار من الناحية الاقتصادية يبرز سؤال قانوني مهم

من يتحمل مخاطر تغير قيمة العملة عندما يتغير التوازن الاقتصادي للعقد بصورة جوهرية بعد إبرامه؟

سعر الصرف كخطر تعاقدي
في العقود التجارية والاستثمارية لا تمثل العملة مجرد وسيلة للدفع وإنما قد تكون عنصرًا أساسيًا في توزيع المخاطر بين الأطراف فعقد مشروع إنشائي أو استثماري يمتد لعدة سنوات وتكون مدخلاته مرتبطة بالدولار بينما يتم دفع مستحقاته بالدينار قد يتعرض لاختلال اقتصادي كبير نتيجة تغير سعر الصرف

وهنا يجب التمييز بين حالتين

إذا كان العقد قد نظم صراحةً مخاطر تغير سعر الصرف من خلال بند لتعديل الأسعار او إعادة التوازن المالي او تحديد عملة الالتزام وآلية التحويل فإن نقطة الانطلاق ستكون في تفسير العقد وإرادة الأطراف أما إذا خلا العقد من مثل هذه الأحكام فإن النزاع يصبح أكثر تعقيدًا وقد يدور حول ما إذا كان تغير سعر الصرف يمثل مجرد خطر تجاري طبيعي أم ظرفًا استثنائيًا أدى إلى اختلال جوهري في التوازن الاقتصادي للعقد وهذه المسألة ليست محسومة لمجرد حدوث انخفاض في قيمة العملة فليس كل تغير اقتصادي حتى وإن كان كبيرًا يؤدي تلقائيًا إلى نشوء حق بالتعويض أو تعديل العقد

ماذا يحدث في عقود المقاولات والمشاريع الحكومية؟

بدأت تداعيات القرار تظهر بصورة مباشرة في قطاع المقاولات فقد طالب اتحاد المقاولين العراقيين بالتريث في تطبيق القرار محذرًا من تأثيره على العقود والمشاريع الحكومية وعلى كلف المواد والنقل والخدمات وهوامش الربح مشيرًا كذلك إلى استمرار آثار تعديل سعر الصرف السابق بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (301) لسنة 2021 وهنا تظهر مشكلة قانونية عملية

إذا أبرمت شركة عقدًا مع جهة حكومية على أساس اقتصادي معين ثم تغير سعر الصرف بعد التعاقد فمن يتحمل الفارق؟

لا يمكن أن تكون واحدة لجميع العقود بل تتوقف على مجموعة من العناصر من بينها

– تاريخ إبرام العقد
– تاريخ المباشرة والتنفيذ
– العملة التي حُدد بها المقابل المالي
– آلية احتساب الدفعات
– وجود بند لتعديل الأسعار
– توزيع مخاطر تغير أسعار المواد والعملات
– طبيعة التغيير ومداه

– القانون الواجب التطبيق

– وجود نصوص قانونية أو قرارات حكومية تؤثر في العقد
ولهذا فإن قرار سعر الصرف قد لا ينشئ نزاعًا واحدًا بل قد ينتج عنه عدد كبير من النزاعات المختلفة بحسب صياغة كل عقد وظروفه

تزداد المسألة أهمية عندما يكون أحد أطراف العقد شركة أجنبية أو مستثمرًا أجنبيًا

فإذا نشأ نزاع حول الخسائر الناتجة عن تغير سعر الصرف فقد يُطرح النزاع أمام هيئة تحكيم إذا كان العقد يتضمن شرط تحكيم صحيحًا أو إذا كان هناك أساس قانوني آخر يسمح باللجوء إلى التحكيم

وقانون الاستثمار العراقي يتيح للأطراف في حالات معينة الاتفاق عند إبرام العقد على آلية لتسوية النزاع بما فيها التحكيم وفق القانون العراقي أو أمام جهة دولية معترف بها كما أن العراق طرف في اتفاقية واشنطن منذ عام 2015 وفي اتفاقية نيويورك للاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها منذ عام 2022
لكن مجرد وجود التحكيم لا يعني أن المستثمر سيحصل تلقائيًا على تعويض بسبب انخفاض قيمة العملة فالهيئة ستبحث من بين أمور أخرى في مصدر الالتزام وطبيعة الإجراء الحكومي وشروط العقد والقانون الواجب التطبيق ومدى تحقق الضرر والعلاقة السببية بين الإجراء والضرر المدعى به

من أكثر النقاط إثارة للاهتمام قانونيًا التمييز بين مفهومي المشقة التعاقدية والقوة القاهرة فالتغير الكبير في سعر الصرف قد يجعل تنفيذ العقد أكثر كلفة بصورة استثنائية لكن زيادة الكلفة لا تعني بالضرورة أن التنفيذ أصبح مستحيلًا

وهنا قد يكون مفهوم “المشقة التعاقدية” أكثر صلة من “القوة القاهرة” في بعض الحالات لأنه يتعامل مع الظروف التي لا تجعل التنفيذ مستحيلًا بالضرورة وإنما تؤدي إلى اختلال جوهري في التوازن الاقتصادي للعقد

اما القوة القاهرة فتتعلق عادةً بحدث خارج عن سيطرة الطرف يمنع أو يعوق تنفيذ الالتزام وفق الشروط المحددة في العقد والقانون الواجب التطبيق لذلك فإن وصف تغير سعر الصرف بأنه “قوة قاهرة” لمجرد حدوث انخفاض في قيمة العملة سيكون تبسيطًا قانونيًا غير دقيق

الحدث الحالي يسلط الضوء على نقطة ربما تكون أهم من النزاع نفسه

فالعقود طويلة الأجل خصوصًا في قطاعات الإنشاء والطاقة والبنية التحتية والاستثمار تحتاج إلى التعامل مسبقًا مع مخاطر تقلب العملة

ومن البنود التي تستحق عناية خاصة

– تحديد العملة التي يتم بها تسعير الالتزام والدفع
– وضع آلية واضحة لتعديل المقابل المالي عند تغير سعر الصرف
– تنظيم أثر تغير تكاليف المدخلات والمواد والخدمات

– تحديد ما يحدث عند وقوع ظروف اقتصادية استثنائية تؤدي إلى اختلال التوازن التعاقدي

وهي ذات أهمية خاصة في بعض عقود الاستثمار طويلة الأجل حيث تهدف إلى حماية التوازن الاقتصادي للاستثمار من بعض التغييرات التنظيمية أو التشريعية إن وجود مثل هذه البنود لا يمنع النزاع بالضرورة لكنه قد يحدد مسبقًا من يتحمل المخاطر ومتى تبدأ آلية إعادة التوازن وكيف يتم احتساب الضرر

ما الذي يعنيه ذلك لشركات المحاماة في العراق؟

التغير في سعر الصرف قد يخلق خلال المرحلة المقبلة طلبًا أكبر على الخدمات القانونية المرتبطة بالعقود والاستثمار والتحكيم فالشركات تحتاج الى:

– مراجعة العقود القائمة

– تحديد مخاطر العملة في العقود طويلة الأجل
– إعادة التفاوض بشأن بعض الشروط المالية
– تقييم إمكانية المطالبة بالفروقات
– ⁠إعداد المطالبات والتعويضات
– مراجعة شروط التحكيم

– ⁠تقييم القانون الواجب التطبيق

وبالنسبة لمكاتب المحاماة التي تعمل مع الشركات الأجنبية فإن المسألة تتجاوز تقديم الاستشارة القانونية التقليدية إذ تصبح هناك حاجة إلى الجمع بين قانون العقود، قانون الاستثمار، التحكيم الدولي، والتحليل المالي والاقتصادي للضرر

وهذا تحديدًا هو المكان الذي تظهر فيه أهمية المحامي القادر على فهم الأرقام بقدر فهمه للنصوص القانونية

إن تغيير سعر الصرف لا يمثل في ذاته نزاعًا تحكيميًا ولا يعني تلقائيًا أن الدولة أو الطرف المتعاقد أصبح مسؤولًا عن تعويض الطرف الآخر لكن التغيير الكبير في البيئة الاقتصادية قد يكشف نقاط الضعف الموجودة أصلًا في العقود خصوصًا عندما تكون مدة العقد طويلة ومدخلاته مرتبطة بعملة أجنبية أو عندما يكون أحد أطرافه مستثمرًا أجنبيًا

ومن هنا، فإن السؤال القانوني الأهم ليس
“هل ارتفع سعر الدولار؟”
بل

“كيف وزّع العقد مخاطر تغير سعر الصرف ومن يتحمل آثار هذا التغير وفقًا للقانون والعقد؟”

وقد يكون هذا هو الدرس الأهم من القرار الحالي

العقد الجيد لا ينظم الالتزامات في الظروف الطبيعية فقط بل يتوقع أيضًا الظروف التي قد تغيّر الاقتصاد الذي بُني عليه العقد

وفي بيئة استثمارية متغيرة مثل العراق تصبح صياغة بنود المخاطر الاقتصادية والتحكيم وتسوية النزاعات جزءًا أساسيًا من إدارة المخاطر القانونية وليست مجرد بنود تُضاف في نهاية العقد.

المحامية وَقار ناطق
٨ / اكتوبر / ٢٠٢٧

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *