55

عندما تشتد الضغوط الاقتصادية على الشركات والمستثمرين يصبح الوقت أهم عنصر في أي نزاع تجاري فالدفعات تتأخر والعقود تتعثر والسيولة تتقلب وقد يضيع الحق المتنازع عليه قبل أن يصدر الحكم النهائي بوقت طويل ومن هنا تأتي أهمية التحكيم الطارئ وهو نظام جديد نوعا ما، يسمح للطرف المتضرر ان يحصل على حماية مؤقتة وسريعة قبل أن تتشكل هيئة التحكيم
ما هو التحكيم الطارئ؟
ببساطة التحكيم الطارئ هو آلية تعتمدها مؤسسات التحكيم الدولية ويتم بموجبها تعيين محكم واحد (محكم الطوارئ) بناء على طلب أحد الأطراف ليصدر امرا مؤقتا أو تحفظيا إلى أن تتشكل الهيئة مثلا منع التصرف بأموال محل النزاع أو إبقاء الوضع كما هو أو حفظ الأدلة هذا المحكم لا يفصل في أصل النزاع وقراره مؤقت ويحق لهيئة التحكيم تعديله أو إلغاءه بعد تشكيلها
الوضع المالي في العراق صعب هذا العام والأرقام تقول ذلك بوضوح فإغلاق مضيق هرمز عطّل جزءا كبيرا من صادرات النفط الخام وتراكم عجز وصل إلى نحو 22.2 تريليون دينار في النصف الأول من 2026 ولأن كل النفط المنتج في جنوب البلاد يمر من هذا المضيق فقد هبط الإنتاج إلى أحد أدنى مستوياته هذه السنة وتشير التقديرات الى أن العراق ينتج احيانا ثلث المستوى المعتاد فقط
وآخر بيانات وزارة المالية تظهر ان العجز بلغ 26.329 تريليون دينار (حوالي 20.16 مليار دولار) خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 فقد جمعت الحكومة نحو 39.1 تريليون دينار بينما أنفقت 65.4 تريليون. وبقي النفط المصدر الأول للدخل بنسبة 78% من الإيرادات أما الرواتب لوحدها فبلغت 35.875 تريليون دينار وخدمة الدين 6.239 تريليون
ويزيد الطين بلة أنه لا توجد موازنة معتمدة لذلك لجأ العراق إلى الاقتراض ومعظمه من السوق المحلية لتغطية العجز وقد قدم البرلمان مقترحا بموازنة بين 20 و30 تريليون دينار الهدف منها إبقاء مؤسسات الدولة تعمل وحماية المشاريع التي تمت إحالتها فعلا
لماذا يهمّ التحكيم الطارئ في هذه الظروف؟
1. السرعة: قد يستغرق تشكيل هيئة التحكيم أسابيع أو شهور بينما يتم تعيين محكم الطوارئ خلال أيام قليلة وهذا مهم جدا حين يكون الخطر وشيكا.
2. بطء القضاء: إجراءات المحاكم الوطنية تطول عادة وقد يضيع الغرض من الحماية المؤقتة قبل أن تصدر.
3. السرية: في أوقات الضعف المالي تهتم الشركات بسمعتها التجارية والتحكيم سري على عكس التقاضي العلني.
4. ثقة المستثمر الأجنبي: عندما توجد وسيلة سريعة ومحايدة لحماية الحقوق تشعر الشركات الأجنبية بالاطمئنان للعمل في بيئة غير مستقرة.
لو نظرنا إلى الواقع عندما تنخفض الإيرادات بهذا الشكل ويتركز الإنفاق على الرواتب وخدمة الدين فمن الطبيعي أن تتأخر مستحقات المقاولين والموردين وتتعثر المشاريع الحكومية.وهنا تكثر النزاعات حول الدفعات المتأخرة وإنهاء العقود قبل موعدها وتنفيذ الضمانات المصرفية بعض هذه النزاعات يحتاج قرارا عاجلا كمنع سحب ضمان أو التصرف بأصول ولا يحتمل الانتظار لحين صدور حكم نهائي وفي مثل هذه الحالات تظهر قيمة محكم الطوارئ
التحديات القانونية
• قانون التحكيم لم يصدر بعد: العراق ليس لديه حاليا قانون مستقل وحديث للتحكيم، فالتحكيم منظم في فصل خاص من قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 لكن هناك تطور إذ أنهى مجلس النواب القراءة الأولى لمشروع قانون التحكيم في 20 نيسان 2026، ومن المتوقع ان المشروع ينص بوضوح على التدابير المؤقتة والتحفظية وهذا قد يمهد لاستيعاب التحكيم الطارئ. غير أن إقراره النهائي لم يتأكد بعد.
• مشكلة التنفيذ: القضاء العراقي لا يعتبر حكم التحكيم قابلا للتنفيذ تلقائيا فالاعتراف به إجراء تشرف عليه المحكمة وأمر محكم الطوارئ ليس له قوة الإجبار بنفسه لذلك يحتاج غالبا الى دعم القضاء كي ينفذ وهذه نقطة تحتاج وضوح أكثر في التشريع.
• قلة الخبرة العملية: النظام جديد على الممارسة العراقية والمحامون والقضاة والجهات الحكومية يحتاجون تدريب عليه.
ما المطلوب؟
1. الإسراع بإقرار قانون تحكيم حديث يعتمد على قانون الأونسيترال النموذجي ويتضمن نصا صريحا يسمح بالتحكيم الطارئ.
2. النص على دور القضاء الداعم في تنفيذ أوامر محكم الطوارئ.
3. إدخال شرط تحكيم مؤسسي في العقود الكبرى خاصة الحكومية منها بحيث يسمح بإجراءات الطوارئ.
4. نشر الوعي بهذه الآلية بين الشركات والمحامين.
في النهاية التحكيم الطارئ ليس حلا للأزمة الاقتصادية لكنه أداة قانونية تخفف من آثارها على العلاقات التعاقدية فتحفظ الحقوق وتقوي الثقة بالبيئة الاستثمارية والعراق اليوم يعاني من عجز مالي كبير واضطراب في صادراته النفطية ولذلك تزداد الحاجة إلى تشريع واضح وممارسة مهنية واعية حتى تصبح هذه الآلية متاحة وقابلة للتنفيذ فعلا.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *